|
|
|
|
أصهار محمد العوفي |
|
1322 1399 |
|
أصهاره
الشيخ محمد حدو أمزيان، عميد كلية أصول الدين بمدينة تطوان المغربية، ورئيس المجلس العلمي لنفس المدينة: تكريمه واحتفاء الصحف به
جريدة "ملامح ثقافية"، العدد السابع لشهر ماي 2005
جريدة الشمال 2000، العدد: 364 (27 مارس - 2 أبريل 2007)
- مغرب الأعلام العلامة الشيخ محمد حدو أمزيان. كتبه السيد عبد الصمد العشاب.
|
ارتباط كتابات العلامة محمد أمزيان بالإسلام عقيدة وسلوكا، وبكفاح العرش والشعب |
|
إدريس خليفة قيدوم كلية أصول الدين بتطوان |

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وأصحابه أجمعين.
السادة الأساتذة أعضاء مكتب فرع النقابة الوطنية للتعليم العالي والبحث العلمي بإقليم تطوان.
السادة أعضاء أسرة الفقيد العزيز العلامة المرحوم الشيخ محمد حدو أمزيان.
فضيلة الأستاذ الجليل الدكتور العياشي اليملاحي قيدوم كلية العلوم.
الأساتذة المحترمين.
إن الواجب على الأمة أن تعتز بعلمائها الأفذاذ المخلصين، الذين بذلوا مجهودا موفقا لخدمتنا وخدمة الدين الحنيف ومقاصده العالية الشريفة، و منهم الأستاذ الشيخ العلامة محمد حدو أمزيان، وهو عالم من أعلام علماء هذه الفئة المجاهدة في منطقة الشمال المغربي خاصة والمغرب عامة، و قد كرس حياته للعمل من أجل الإسلام والوطن والعرش العلوي المجيد. فكان جديرا بهذا كله أن تعقد حوله، لا أقول ندوة، بل ندوات تبرز معالم شخصيته وما إمتاز به من علم وتسجل مساهماته الدينية والوطنية، وكتاباته عن الإسلام والمسلمين؛ ولقد وفق الفرع الجهوي للنقابة الوطنية للتعليم العالي حينما إختاره موضوعا لهذه الندوة التي ستظهر فضائله و مزاياه العلمية والخلقية، وتعرض على الذاكرة شريط حياته عبر مراحل نشأته، وطلبه للعلم، ورحلته، من أجل تحصيله، إلى الشرق العربي، و الوظائف التي تقلب فيها، و نشاطه العلمي والوطني، إلى أن وافته المنية، رحمه الله .
أيها السادة:
إن الشيخ محمد أمزيان أحد أساطين الدعوة والإرشاد المغربي، وقد نشأ بقبيلة بني ورياغل الشهيرة، و كان والده قائدا على بعض قبائل منطقة الريف الشرقي، وتحت إشراف والده تلقى تعليمه، حيث درس العربية وحفظ القرأن، وبتطوان استمر في تلقي العلم على صفوة من الشيوخ بمدرسة لوقش، ثم رحل إلى مصر في البعثة الحسنية، برئاسة العلامة الشيخ محمد المكي الناصري، حيث حصل على شهادة الإجازة الأهلية للتبريز بجامعة الأزهر الشريف. وبرجوعه إلى المغرب إستمر بتطوان حيث كان يلقى دروسا في الوعظ و الإرشاد بمساجدها، وعين مديرا للتعليم العالي بالمنطقة الشمالية، فرئيسا لمحكمة الإستئناف. وعين بعد الإستقلال، من قبل جلالة الملك الحسن الثاني أعزه الله و نصره، عميد لكلية أصول الدين بعد وفاة عميدها الأسبق العلامة الشريف سيدي التهامي الوزني، كما عين من قبل جلالته بعد إنشاء المجالس العلمية رئيسا للمجلس العلمي بإقليم تطوان.
وقد عرف في حياته بأخلاقه الطيبة وشخصيته العذبة المرحة وواقعية تصرفاته، و تواضع جم مشوب بالإعتزاز بالذات، و كراهيته للدجل والشعوذة والنفاق، وإهتمامه الكبير بالأوضاع السياسية والإجتماعية، و قربه من الطبقة الشعبية التي كان يمزج في خطابها الجد بالهزل، مستعملا بعض المفردات والجمل باللغة الإسبانية التي كانت تقع موقعا حسنا من أفراد هذه الطبقة، كما عرف باستعماله ألقابا معينة ذات دلالات خاصة في وصف بعض الأشخاص والشخصيات، لدرجة أن اللقب كان يحل عنده محل اسم المعلوم بالأمر، وكانت الهيئة العلمية بتطوان تتألف في هذه الفترة من شخصيات كثيرة محترمة ذات تأثير كبير بالوسط الثقافي العلمي، أذكر منها شخصيات العلماء الأجلاء السادة العلامة محمد الزواقي شيخ الجماعة، والعلامة السيد أحمد الرهوني، والعلامة محمد أفيلال، والعلامة الشاعر سيدي عبد القادر بن موسى، والعلامة محمد الوريغ، والعلامة العربي اللوه، والعلامة الشريف الكاتب الصوفي سيدي التهامي الوزني، والعلامة المؤرخ التطواني محمد داود، والعلامة المحدث السيد محمد الفرطاخ، والفقيه العلامة السيد أحمد الحداد، والعلامة السيد محمد بنتاويت، والأساتذة العلماء السادة: محمد بنتاويت، ومحمد الجباري، ومحمد الصروخ، وآخرون. كان هؤلاء نجوما متألقة في سماء هذه المدينة، و كانت لفقيدنا محمد أمزيان مكانة متميزة بينها، وقد كان واعظا موفقا معروفا بالفصاحة والبيان، مشتهرا بصلاته الوثيقة بعامة الناس الذين كانوا يذكرونه باللقب الذي إشتهر به، والذي حمله معه من مصر بعد إلتحاقه بالوطن وهو "الشيخ". وزادت مكانته شهرة بتقلده عدة وظائف إدارية سامية برهن فيها عن كفاءة إدارية نادرة، إلا أن الوظائف الإدارية التي أسندت إليه قبل الإستقلال وبعده لم تعقه عن العلم، فقد ظل يلقي دروسا على الطلبة، ويجلس في المساجد إلى الناس بالوعظ والإرشاد، وكتب بعد الاستقلال في عدة مجلات مقالات علمية، وشارك مع إخوانه الأساتذة أعضاء المجلس العلمي باٌٌلإقليم في إضدار فتاوي دينية حول عدد من القضايا الدينية والاجتماعية، وألقى خطبا دينية في مناسبات متعددة. وإن المتتبع لما يكتبه الشيخ محمد أمزيان من المقالات، وخاصة في مجلة الإحياء الصادرة بالمغرب، ومجلة دعوة الحق، يرى أن السيخ كان يركز أبحاثه حول نقطتين:
أولاهما ترتبط بالإسلام عقيدة وسلوكا وأخلاقا.
الثانية ترتبط بكفاح العرش والشعب من أجل التحرير والوحدة وبناء الوطن. فمن بين المقالات التي لها علاقة بالنقطة الأولى، هذه المقالات المنشورة في الصفحات الأولى من مجلة الإحياء (موقف الاسم من التجديد، ومقال التمسك بالإسلام هو طريق الخلاص، ومقال المثل الأعلى للمسلم، ومقال الأمر بالعدل والاحسان، ومقال في ملكوت السموات والأرض). وكان في كل هذه المقالات يحرص على دراسة مواضيعه إنطلاقا من الكتاب والسنة، مع الدعوة إلى الرجوع إليهما، والتمسك بالوحدة في كل أمر من الأمور، والالتزام بأخلاقيات التعامل في الاسلام، فهو مثلا يرى في قضية حيوية كالتجديد، أن التجديد لا يمكن أن يكون مقبولا من جماعة الأمة إلا إذا كان في نطاق ما جاء في الكتاب والسنة وإجماع السلف، وما صح من العلوم المستجدة في هذا العصر التي حققت للإنسان ما يصبو إليه من منفعة دينية ودنيوية: فلا يمكن أن نزيد في الزكاة بإسم التجديد ولا في غيرها من الشعائر المنصوص عليها في التشريع الاسلامي، كما لا يمكن أن نبدل حكما من الأحكام المنصوص عليها بالإجماع مثل الميراث وفقه المعاملات كالربى، فالحلال حلال دائما والحرام حرام دائما.
ومن الملاحظ أن معظم الأفكار التي يعرض لها هي في حقيقتها مستمدة من القرآن، ناجمة عما يستخلصه من تشابه في الأحكام والتوجيهات القرآنية، يفسرها بعدما يذكر نصها في مقدمة الموضوع، وتشكل بذلك نمطا من أنماط تفسير القرأن الكريم، و من بين هذه المقالات الدينية يوجد مقال لفت نظري لأهميته ولكونه يحدد مهمة العلماء في هذا العصر، ويبين المشاكل التي تواجههم، ويوضح سبل التخلص منها، وهو مقال منشور في مجلة دعوة الحق 681 ، بعنوان : "علماء الإسلام وفقهاء الأصوليون"، وفيه يقول: "إن وحدة الدين أهم أحداث الإسلام وأهم تعاليمه الأساسية، وأن الفرقة أهم الأمور التي دعا إلى محاربتها، ونبذها. وعظمة الإسلام تكمن في هذه الوحدة والإنسجام بين تعاليمه ومبادئه الخالدة، تلك الحقيقة التي لم تستطع لا دسائس الفرق ولا ترهاب الأحزاب وأهل الأهواء، ولا تخمينات الحكماء، ولا استنتاجات الفلاسفة التي تداولتها عبر العصور والحقب، فالعالم الحقيقي والفقيه الحر هما الوصفان اللذان يجتمعان في شخص مؤمن مخلص في العمل لله و لرسوله، لا يبتغي شكورا، ولا يجعل من نفسه زعيما حزبيا، ولا نفعيا، ولا داعية لزاوية ولا سمسار... ولا غير ذلك من الأوصاف. وإن هذه السنة الحميدة التي سنها جلالة الملك الهمام الحسن الثاني نصره الله وأيده بتأسيس المجلس العلمي الأعلى تحت رئاسته الفعلية..إن هذه السياسة الحميدة في الواقع هي من صميم المصلحة الوطنية والدينية، ذلك أن سياسة الدولة إنما يكتب لها النجاح إذا قامت على أسس العلم، وبتشجيع العلم والعلماء من مختلف التخصصات، وعلى رأس ذلك علم العقيدة والشريعة. والعقيدة، وخاصة في الدولة العلوية الشريفة التي ما كان ملوكها إلا علماء وأئمة مجتهدين ومؤلفين ودعاة إلى التمسك بالإسلام و شريعته الغراء والمحافظة على الكتاب والسنة" .إنتهى كلام الشيخ .
وهو مقال يعكس في الحقيقة وجهات نظر الشيخ في القضية الدينية والسياسية التي ينبغي إتباعها والتي تقتضيها المصلحة الدينية والوطنية للبلاد، والتي سنها الحسن الثاني رائد الإنبعاث الديني والوطني بالمغرب أعزه الله و نصره، الذي حرص على الوحدة الدينية والوطنية، وبنى سياسته المخولة للعلماء الإشراف على الرأي والفتوى على مذهب الإمام مالك بن أنس، محققا بذلك إجماع الأمة، وتحصين الجمهورها من مواقف الإفتراق والإختلاف والزلل .
أما النقطة الثانية التي ترتبط بكفاح العرش والشعب من أجل الحرية والإستقلال وبناء المغرب الحديث، فهي من النقط التي خصها الشيخ ببعض مقالاته المنشورة في مجلة دعوة الحق، فهي مظهر من مظاهر الولاء للعرش العلوي والجالس على العرش جلالة الملك الحسن الثاني، وهي مقالة وطنية شارك بها الشيخ في الإحتفال في بعض المناسبات الوطنية مثل : عيد العرش وعيد الإستقلال وعيد الشباب ..
و سأكتفي في هذه العاجلة بالحديث عن مقال له، بمناسبة عيد الشباب منشور بالمجلة المذكورة عام ستة و ثمانين و تسعمائة و ألف، تحت عنوان "الذكرى الخامسة والعشرون لجلوس جلالة الملك الحسن الثاني على عرش المغرب"، سجل فيه للمفاخر والمكارم والإبداع، على أن فضائل جلالة الملك الحسن الثاني ومكارمه ونعمه على الشعب المغربي لا يمكن أن يتسع لها سجل أو تنحصر في جملة، بل هي فضائل و مكارم موروثة عن أسلافه المنعمين في كل عصر مجيد، ذلك أن ملوك الدولة العلوية الشريفة اعتادوا وحرصوا في مختلف أطوار التاريخ على الإهتمام بشأن المغاربة، والحرص على مصالح البلاد، والحنو على الفئات الضعيفة، وتفقد العناصر الحية فيه، وإن سيدنا المصون بالله، يقول الشيخ، أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله، نهج على سنن أبائه وأجداده الميامين في الإهتمام بالناس ومصالح الوطن. وبعد هذا كله يتفرغ الشيخ للحديث عن منجزات أمير المؤمنين المادية والمعنوية، كإصلاح السدود وإنشاء سدود مهمة جديدة، والعناية بالسياحة وإنشاء مناطق صناعية، والعناية بالسكنى، وإنجاز الطرق، والعفو عن المسجونين، والعناية بالجالية المغربية بالخارج، وتحقيق منجزات كثيرة في مجال التعليم، وإنشاء نواة جامعية بتطوان، والعناية بجامع القرويين، وخدمة الأمة الإسلامية والعربية، والدفاع عن فلسطين، وإسترجاع الأقاليم الجنوبية المغربية المغتصبة، وإنشاء مدارس للعلم والمجالس العلمية، و غيرها من المنجزات التي تحدث عنها ...
وهكذا يبدو الشيخ من خلال هذا العرض رجلا مهتما بشؤون الدين عقيدة وأخلاقا وأدبا، مقبلا على العلم والتعليم ونشر رسالة الإسلام من خلال الأصلين: الكتاب والسنة، معتنيا بقضايا الوطن، مخلصا لوطنه وللعرش العلوي المجيد. وقد كنت أود أن أتحدث عن بعض ذكرياتي معه من خلال عملي إلى جانبه أستاذا بكلية أصول الدين، ونائبا عنه بها خلال سنتين، ولكني رأيت الوقت المتاح لهذا الحديث لا يسمح للحديث عن ذلك، ولذلك اعتذر عن تناول هذا الجانب، مكتفيا بالتعبير عن اعتزازي بكون الشيخ كان يعتبرني أحد أبنائه. وصرح بهذا الدكتور قتيبة الذي يقتفي بحمد الله آثار أسرته في كل ما أفاد به والده الشيخ من الفضائل الدينية و الدنيوية. و الله أسال أن يتغمد الفقيد برحماته ويسكنه فسيح جناته ويجزيه خير الثواب عما قدمه للإسلام والمسلمين والوطن من خدماته، وأن يحفظ الله أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني و ينصره نصرا عزيزا، ويبارك في ولي عهده الأمير الجليل سيدي محمد وصنوه مولاي رشيد وسائر الأسرة الملكية. والسلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته.